آراء وتقاريرالأخبارشاهدمنوعات

تفاصيل لاتعرفها عن أخر اللحظات في حياة الرئيس الحمدي

———-
كان قرص الشمس يتوسط السماء عندما دلف المقدم ابراهيم محمد الحمدي ردهة منزله المتواضع، والكائن في شارع حده بالعاصمة صنعاء، عائدا من مبني القيادة (الرئاسة)، وبصحبته أحمد عبده سعيد (أحد رجال الحكومة)، وقد كان الرئيس يتضور جوعا، فلم يكن قد ذاق طعاما قط منذ البارحة، ولأن وجبة الغداء لم تكن جاهزة بعد، قدمت له البطاطا والسحاوق التي يحبها لتعينه على الإنتظار وليهدئ قليلا من غضب معدته الخاوية …

بدأت الأطباق تأخذ مكانها على المائدة، لكن صوت رنين الهاتف منع الرجل من أن يأخذ مكانه عليها هو الآخر، وبمجرد وضع السماعة على أذنه جاءه صوت محدثه على الطرف الآخر بطلب مفاجئ، حيث ترجاه حضور عزومة غداء أقامها في منزله الكائن قرب السفارة السعودية، وقد تكررت عبارات الرجاء من الغشمي بإلحاح في دعوته للرئيس الانضمام للمأدبة التي أعدت خصيصا للإحتفال بعودة رئيس الوزراء (عبدالعزيز عبدالغني) سالما، بعد إجرائه لعملية جراحية في لندن وتكللها بالنجاح، إضافة لكونها فرصة لتهنئة الشاب عبدالسلام مقبل أحدث الوزراء انضماما للحكومة بتعيينه وزيرا (والذي يعد أصغر وزير يمني سنا حتى الآن)…

كان صوت محدثه مألوف تماما، بل ويحفظه عن ظهر قلب، لكنه لم يكن مستعدا ﻷي سبب ترك مائدته التي صارت جاهزة في انتظاره، حتى لو كان صاحب الدعوة صديقه المقرب أحمد الغشمي (عضو مجلس القيادة ورئيس الاركان)، وربما لم تكن المبررات كافية لاقناعه، لولا أن الغشمي زاد أنه ينبغي عليه قبل سفره الوشيك إلى عدن أن يلتقي رئيس حكومته الذي كان غائبا لاطلاعه على برنامج الزيارة الرئاسية اﻷولى للجنوب منذ ثورة سبتمبر، وبما تحمله من برنامج عمل يجعل منها زيارة تاريخية بكل المقاييس، حيث كان يفترض انجاز العديد من الاتفاقات بخصوص الوحدة مع الجنوب، وقد تنفس الغشمي الصعداء أخيرا بانتزاعه عبارة الموافقة من الرئيس للحضور…

ارتدى الرئيس الثوب والجنبية (الزي التقليدي اليمني)، وقبل أن يمضي خارجا عرج على المطبخ للاعتذار من شقيقته الصغرى (الأحب إليه)، والتي عرف للتو بأمر وجودها وقدومها من ثلا (مسقط رأسه) لأجل زيارته، فطلب منها انتظار عودته، واعدا اياها بالعودة إليها سريعا، وتمتمت صفيه بكلمات تعبر عن امتعاضها من العزومة المفاجئة التي حرمتها الاستمتاع بوجوده، لكنها لم تنس أن ترسم ابتسامة بريئة على محياها، وتضع على خده قبلة حملت شلال المشاعر التي تجتاح اعماقها لأحب أخوتها إلى قلبها، ثم تركته يذهب إلى وجهته، غير أنها انتقلت إلى نافذة المطبخ لترقب مغادرته حتى آخر لحظة، وتابعت أخيها وهو يستقل سيارة شقيقتها الكبرى، ورأت السائق ينطلق به دون لفت انظار حراسه إلى خروجه…

لم يكن الرئيس ابراهيم الحمدي ليذهب إلى مكان فيه شقيقه عبدالله الحمدي (قائد لواء العمالقة)، وهو إجراء أمني احترازي كان يتبعه الشقيقان حتى لا تكون البيض في سلة واحدة، وهو ما كان -بلاشك- يعرفه الأصدقاء الخصوم عنهما، لكنه لم يكن يعلم بمجئ شقيقه عبدالله إلى هناك، فقد تم استدعاء شقيقه أولا بحجة تسليمه حصة لواء العمالقة الذي يقوده -عبدالله الحمدي- من تلك السيارات التي وصلت هدية لليمن، وأظن القارئ قد فهم سبب التأخر في دعوة الرئيس، فقد كان يتوجب دعوة أحدهما في بادئ الأمر، وكان يجب أن يتم دعوة عبدالله أولا لأنه كان يقود أهم تشكيل عسكري وكان مستعدا حتى “لاحراق صنعاء” إن تعرض شقيقه الرئيس لأي أذى (بحسب ما نقلته ألسنة قتلته عنه، وتبريرهم وضعه هدفا أولا في العملية) …

لهذا ولأن المكالمة التي جرت بين الرئيس ابراهيم الحمدي وأحمد الغشمي كانت بين الواحدة والواحدة والنصف (بعد ظهر يوم الثلاثاء 11 أكتوبر 1977م)، ويبدو ان الجريمة تمت بمجرد فراغهم من قتل عبدالله، فلم يكن بمقدورهم استهداف شقيقه الرئيس قبل تصفيته أولا للسبب المشار إليه، وفي هذه الجزئية يذكر محسن دحابه (والد فؤاد دحابه عضو البرلمان حاليا) الذي كان أحد من تلقوا دعوة للحضور، أنه أثناء خروجه من الديوان الذي كان فيه عبدالعزيز عبدالغني وبقية المدعوين، بعد أن طلب منه محمد الغشمي الخروج لمقابلة أحمد الغشمي في غرفة أخرى، بأنه صادف في طريقه المقدم عبدالله الحمدي، ويفيد دحابه أنه تبادل مع عبدالله حديثا سريعا، ويقسم أنه لم يكن يعلم أن الرجل في طريقه إلى الموت، وإلا كان أخبره وإن تسبب بمقتله هو، وأظنه قال أنه بدأ يستوعب الأمر عند سماعه صوت طلقات الرصاص يأتي من هناك، وقدوم من كانوا بتلك الغرفة بوجوه عابسة…

وإلى منزل الشقيق الأكبر محمد محمد الحمدي -لازال حيا يرزق- وصل ثلاثة ضباط (من حاشد) طالبين منه تحذير شقيقه الرئيس من حضور العزومة لأنها أعدت للتخلص منه، وإن لم يذهب فسيتم قصف منزله من مقر الفرقة (كانت تتبع الغشمي) أو من موقع في عصر، وفي حالة عدم النجاح سيتم اسقاط طائرته التي ستحمله إلى عدن، لكن التحذير جاء متأخرا، والهدف كان قد غادر منزله متحركا صوب منزل الغشمي، ووصل الرئيس المقدم إبراهيم الحمدي إلى مكان العزومة فعلا، وفي نفس اللحظة وصل أيضا محمد أحمد الجنيد (وزير المالية ومحافظ البنك المركزي الأسبق)، وخطا أحمد الغشمي خارجا بحماسة لاستقبال الرئيس، وهو يؤدي التحية العسكرية بعنف، لدرجة أن الغبار ارتفع على إثرها من قوة ضربة القدم على الأرض…

قبع الجنيد إلى جوار المدعوين في ديوان الضيوف بينما طلب أحمد الغشمي الانفراد بالرئيس واقتيد الرئيس إلى المكان الذي تكومت فيه جثة شقيقه عبدالله وسط بركة من الدماء، وعند رؤيته لجثة شقيقه الممزقة بوابل من النيران، تغير وجه الرئيس ابراهيم الحمدي ليصبح مثل ليمونة (بحسب تعبير الغشمي نفسه في حديث له مع أحمد فرج)…

عاتب الرئيس إبراهيم الحمدي صديقه الغشمي، مبديا استعداده ترك السلطة، دون الحاجة لاراقة المزيد من الدماء، تماما كما فعل هو مع الرئيس السابق (عبدالرحمن الارياني)، ويبدو أن الغشمي أصابه شئ من الارتباك وكأنه تقبل الفكرة، لكن بادررو بالرفض محتجين بان لو تم نفية الي، اي، مكان لن يسكت الشعب، وأطلق الرصاصة الأولى نحو الرئيس،واغتالو وطن وقيدت القضية ضد مجهول لانامت اعين القتلة

??

المصدر / الوالد، محمد الحمدي، اخو الشهيد
المراجع/ مقابلة تلفزيونية مع شقيقة الشهيد
الوالده /، صفية

رند الاديمي

ما أمر مواعظ السعداء علي قلوب التعساء ..وما أقسي القوي حين يقف خطيبا بين الضعفاء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com