الأخبارشاهدفيسبوكيات

فرار جماعي للخليجيين من مصر الى تركيا”

د. اسماعيل صبري مقلد

أكاديمي مصري، استاذ علوم سياسية بجامعة اسيوط

لكي نفهم مغزى ما يحدث حولنا من تطورات وتحولات في المواقف والسياسات وما يمكن أن تؤثر به علينا هنا في مصر وخارج مصر، أقول إن أبرز هذه التحولات الأخيرة هو ما يحدث في دائرة العلاقات الخليجية – التركية، فهذه العلاقات تتطور الآن بسرعة لتبلغ مستوى غير مسبوق من التقارب والتفاهم والتنسيق المشترك، والسعودية هي التي تقود القاطرة الخليجية الآن في هذا الاتجاه بمعاونة قطر، كل من منطلق مصالحه وحساباته الذاتية.

السعودية وقطر يقفان في مقدمة دول مجلس التعاون الخليجي الداعية إلى تأسيس شراكة استراتيجية خليجية تركية جديدة لوضع هذا التقارب موضع التنفيذ. وهذا التوجه الخليجي المتنامي نحو بناء شراكة استراتيجية بين الطرفين يمكن البناء عليها كأحد أعمدة الأمن الخليجي في المرحلة المقبلة، يسقط من حساباته أن التورط في الدفاع عن أمن الخليج في هذه الظروف المضطربة والحافلة بالمخاطر والتحديات لا يشكل أولوية مهمة من أولويات استراتيجية تركيا الاقليمية والدولية في الوقت الحاضر، ربما لأن هذا الأمن الخليجي لا يعد إحدى الدوائر الفاعلة أو المؤثرة في هذه الاستراتيجية، أو لأن هذا الدور الدفاعي يقع بالأساس على عاتق أمريكا وليس علي عاتق تركيا، وبالتالي فلا يوجد ما يضطر تركيا إلى تحمل التزامات دفاعية اضافية لا تلزمها ولا تؤثر في أمنها وهي الدولة العضو في تحالف الناتو والمحمية بدفاعاته.

أما السبب الآخر، فهو التقارب التركي الروسي الذي يزداد توثقاً يوماً بعد آخر، سواءً حول الأزمة السورية أو حول غيرها من دوائر المصالح المشتركة بين الدولتين وما يتبع ذلك من تكثف التنسيق والتشاور بينهما على مستوى القمة وبصورة ملفتة، وهو التطور المزعج الذي تنظر إليه السعودية بعين الشك والريبة ولا تثق في دوافعه أو في ما يمكن أن تقود إليه مساراته المستقبلية، وذلك من منطلق معارضتها العنيدة والمستمرة للدور الروسي في سوريا الأسد بشكل خاص، ولاستراتيجية روسيا في المنطقة بشكل عام.

وترجمة ذلك عملياً تعني تحفظ تركيا، بشدة، علي الاندفاع نحو دول الخليج بالتزامات أمنية محددة ومكتوبة تقيدها ولا تفيدها. أضف الي ذلك التقارب التركي الإيراني الذي يأخذ أبعاداً جديدة ومهمة هو الآخر لحسابات تخص كلاً من تركيا وإيران كقوتين إقليميتين كبيرتين تجدان في اتفاقهما ما يفيدهما أكثر من خلافهما، ومن شأن ذلك أن يضع قيداً آخر على تقارب تركيا مع دول الخليج في الاتجاه وبالقوة التي تخطط لها هذه الدول أو التي تتوهمها لنفسها الآن ولا تستند إلى أساس كافٍ من الحقيقة أو المنطق.

تركيا لا تملك شيئاً تقدمه لدول مجلس التعاون الخليجي أكثر من عبارات التضامن والمساندة اللفظية غير المصحوبة بأي التزام رسمي، وهو أمر يفيد تركيا ولا يضرها على أي حال، وأما بالنسبة للدول الخليجية، فإن اندفاعها باتجاه تركيا بهذا الشكل، والتعويل على تركيا كضامن لأمنهم، لن يكون أكثر من غطاء سياسي لتحركات هذه الدول الخليجية في أحسن الأحوال، ولن يذهب أبعد من ذلك بأي حال، وكل التحركات الخليجية سوف تكون تحت نظر أردوغان لا بعيدة عنه… ويبدو لي أن خروج مصر من دائرة حساباتهم بعد أن وقفت مصر ضد محاولات بعضهم جرها إلى الصراعات التي تدور في سوريا واليمن لتحارب على الأرض هناك وهي الصراعات التي لهم مصلحة في استمرارها إلى مدى معين وبشكل معين ليخرجوا منها بالنتائج التي يخططون لها، هي التي جعلت المؤشرات الخليجية تتحول عن مصر وتتجه إلى تركيا في خطوة متسرعة لا هي في صالحهم ولا هي في صالح المنطقة العربية ككل….

أختم وأقول، إن هذه ليست هي الشراكات الاستراتيجية التي يمكن أن يوثق فيها أو يعتمد عليها بين أطراف المواقف الواحدة في العلاقات الدولية. نحن، الآن، أمام موقف الخليج فيه يهرول، وتركيا لا تمانع فليس لديها ما تخسره، بل على العكس، فإن لديها كل ما تكسبه.

رند الاديمي

ما أمر مواعظ السعداء علي قلوب التعساء ..وما أقسي القوي حين يقف خطيبا بين الضعفاء

مقالات ذات صلة